الرئيسية›الأخبار›اخبار عالميه

من 47 ثانية إلى 21 عامًا كأسطورة.. ميسي يكتب الفصل الأخير مع الأرجنتين

من 47 ثانية إلى 21 عامًا كأسطورة.. ميسي يكتب الفصل الأخير مع الأرجنتين

حين نتحدث عن ليونيل ميسي، فنحن لا نتحدث عن لاعب أنهى مسيرته الدولية مع الأرجنتين، بل عن أسطورة تركت بصمتها في كل صفحة من صفحات تاريخ المنتخب. أكثر من 21 عامًا مرت منذ ظهوره الأول بقميص بلاده، شهدت انتصارات وانكسارات، نهائيات خسرها وألقابًا حققها، حتى وصل إلى اللحظة التي أصبح فيها الوداع هو الفصل الأخير من حكايته.

بدأت القصة قبل أكثر من عقدين بصورة لم تكن توحي بما ينتظر هذا اللاعب؛ 47 ثانية فقط كانت كافية ليحصل ميسي على بطاقة حمراء في ظهوره الأول أمام المجر. لكن تلك البداية الصادمة لم تكن سوى المشهد الأول في رحلة تحولت بعدها الموهبة الشابة إلى قائد، ثم هداف تاريخي، وصاحب الرقم القياسي في المشاركات، وبطل للعالم مع الأرجنتين.

وفي ليلة الوداع، على ملعب مونومنتال، لم يكتفِ ميسي بأن يقول كلمته الأخيرة من داخل الملعب، وإنما ترك بصمته بالطريقة التي اعتادها الجمهور منه؛ صنع هدفي نيكولاس أوتاميندي ونيكو باز، ثم سجل الهدف الثالث من ركلة جزاء، ليقود الأرجنتين إلى الفوز 3-0 على بنين في مباراته الأخيرة مع المنتخب.

بداية صادمة لم تكن تشبه النهاية

في 17 أغسطس 2005، دخل ميسي أرض الملعب بقميص الأرجنتين للمرة الأولى، بعدما شارك بديلًا أمام المجر في بودابست. لم يستمر ظهوره الأول سوى ثوانٍ قليلة؛ وبعد 47 ثانية من نزوله، أشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه اللاعب الشاب، لينتهي أول ظهور له مع المنتخب بصورة لم يكن أحد يتخيل أنها ستكون بداية واحدة من أعظم المسيرات الدولية في تاريخ كرة القدم.

لكن ميسي عاد بعد تلك البداية، وفرض نفسه تدريجيًا داخل المنتخب، حتى تحول من لاعب شاب يبحث عن مكانه إلى القائد الذي أصبح اسمه مرتبطًا بالرقم 10 وبقميص الأرجنتين.

سنوات من الانتظار والنهائيات الموجعة

لم تكن الطريق إلى المجد سهلة. ميسي عاش مع الأرجنتين سنوات طويلة من الانتظار، وخسر نهائيات كبرى، كان أبرزها نهائي كأس العالم 2014 أمام ألمانيا، ونهائيا كوبا أمريكا 2015 و2016 أمام تشيلي.

وبعد خسارة نهائي 2016، وصل الضغط إلى ذروته، وأعلن ميسي اعتزاله اللعب الدولي قبل أن يتراجع عن قراره ويعود إلى المنتخب من جديد. كانت تلك العودة نقطة تحول في مسيرته مع الأرجنتين، ومع وصول ليونيل سكالوني إلى قيادة المنتخب، بدأت ملامح فريق مختلف في الظهور، وأصبح ميسي قائدًا لمجموعة استطاعت أن تنقل المنتخب من سنوات الإخفاق إلى مرحلة من أكثر فتراته نجاحًا.

كوبا أمريكا.. أول لقب يغير كل شيء

في 2021، جاء اللقب الذي انتظره ميسي طويلًا. قاد قائد الأرجنتين منتخب بلاده إلى الفوز بكوبا أمريكا على حساب البرازيل في ملعب ماراكانا، ليحقق أول لقب كبير له مع المنتخب الأول.

لم يكن التتويج مجرد بطولة جديدة في سجل اللاعب، بل كان لحظة فارقة في علاقته بالجماهير الأرجنتينية. سنوات الانتقادات والمقارنات انتهت، وبدأ ميسي ينظر إلى المنتخب من موقع مختلف؛ قائدًا يحمل لقبًا كبيرًا مع بلاده.

وبعد عام واحد، أضاف ميسي لقب «فايناليسيما» أمام إيطاليا، قبل أن يصل إلى الحلم الذي ظل يطارده منذ بداية مسيرته.

كأس العالم 2022.. اللحظة التي اكتملت فيها الأسطورة

دخل ميسي كأس العالم 2022 في قطر وهو يدرك أن البطولة قد تكون فرصته الأخيرة لتحقيق الحلم الأكبر. البداية لم تكن مثالية، بعدما خسر المنتخب الأرجنتيني أمام السعودية، لكن الفريق استعاد توازنه سريعًا، وواصل مشواره حتى المباراة النهائية أمام فرنسا.

وفي النهائي، سجل ميسي هدفين، قبل أن تحسم الأرجنتين اللقب بركلات الترجيح، ليحمل القائد كأس العالم للمرة الأولى. كان ذلك التتويج نقطة فاصلة في مسيرة ميسي الدولية؛ لم يعد اللاعب الذي يبحث عن أول لقب كبير مع المنتخب، بل أصبح قائد الجيل الذي أعاد كأس العالم إلى الأرجنتين، وأغلق واحدة من أكثر الصفحات انتظارًا في تاريخ الكرة الأرجنتينية.

كوبا أمريكا 2024.. استمرار عصر ميسي

بعد كأس العالم، لم يتعامل ميسي مع البطولة باعتبارها نهاية الرحلة، بل واصل قيادة المنتخب. وفي كوبا أمريكا 2024، نجحت الأرجنتين في الاحتفاظ باللقب بعد الفوز على كولومبيا في النهائي، ليضيف ميسي بطولة جديدة إلى مسيرته الدولية، ويؤكد أن نجاحه مع المنتخب لم يكن مرتبطًا بلحظة التتويج في قطر فقط.

وهكذا، تحول ميسي خلال سنوات قليلة من لاعب يبحث عن لقب مع الأرجنتين إلى قائد لمنتخب أصبح ينافس على البطولات الكبرى بصورة مستمرة.

ليلة الوداع.. ميسي يتحدث من القلب

بعد نهاية مباراة بنين، وقف ميسي أمام جماهير ملعب مونومنتال في واحدة من أكثر اللحظات عاطفية في مسيرته، وحمل الميكروفون ليوجه رسالته الأخيرة إلى الجماهير.

بدأ ميسي حديثه بكلمات كشفت حجم المشاعر التي سيطرت عليه، قائلًا: «من الصعب جدًا أن أقول شيئًا اليوم، هناك الكثير من المشاعر. أول ما أفكر فيه هو والدي».

ثم تحدث عن علاقته بالمنتخب، مؤكدًا أن ارتداء قميص الأرجنتين كان دائمًا مصدر فخر بالنسبة له، قبل أن يصف اللعب مع المنتخب بأنه من أجمل الأشياء التي عاشها في حياته.

وقال ميسي في واحدة من أبرز رسائل الوداع: «عدم المجيء مرة أخرى سيكون ألمًا كبيرًا، أقسم لكم أن اللعب مع المنتخب الأرجنتيني هو أجمل شيء يمكن أن يحدث لك».

وتحدث قائد الأرجنتين كذلك عن اللحظات الصعبة التي مر بها المنتخب، مشيرًا إلى أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء بعد سنوات من العمل والتضحيات، قبل أن يؤكد فخره بما قدمه مع زملائه للجماهير الأرجنتينية.

أرقام تختصر 21 عامًا من التاريخ

غادر ميسي المنتخب وهو صاحب الرقم القياسي في عدد المشاركات مع الأرجنتين، والهداف التاريخي للمنتخب، بعدما وصل إلى 208 مباريات دولية و126 هدفًا في نهاية رحلته.

لكن أرقام ميسي لا تتوقف عند المنتخب الأرجنتيني، إذ ترك بصمة استثنائية في تاريخ كأس العالم، بعدما أصبح صاحب الرقم القياسي في عدد المباريات التي خاضها في البطولة، إلى جانب أرقامه في التسجيل وصناعة الأهداف والمساهمات الهجومية والأدوار الإقصائية.

كما أصبح ميسي أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في تاريخ كأس العالم، بعدما جمع بين صناعة الأهداف والتسجيل في مراحل مختلفة من البطولة، وحقق رقمًا استثنائيًا بالظهور في ست نسخ من المونديال.

ومع الأرجنتين، جمع ميسي بين كأس العالم وكوبا أمريكا والـ«فايناليسيما»، وهي الألقاب التي أنهت سنوات طويلة من الانتظار وجعلت مسيرته الدولية واحدة من أكثر المسيرات اكتمالًا في تاريخ اللعبة.

ليلة أخيرة تليق بالأسطورة

حتى المباراة الأخيرة، لم يتخل ميسي عن دوره داخل الملعب. أمام بنين، صنع الهدف الأول لنيكولاس أوتاميندي من ركلة ركنية، ثم مرر كرة الهدف الثاني إلى نيكو باز، قبل أن يسجل بنفسه الهدف الثالث من ركلة جزاء، ليخرج من آخر مباراة له مع الأرجنتين بهدف وتمريرتين حاسمتين.

وبعد صافرة النهاية، لم تعد النتيجة هي العنوان الأهم. الجماهير جاءت من أجل لحظة واحدة: رؤية ميسي بقميص الأرجنتين للمرة الأخيرة. امتلأت مدرجات مونومنتال بأكثر من 85 ألف مشجع، وتحولت المباراة إلى احتفال كبير بمسيرة قائد عاش معه الأرجنتينيون سنوات من الألم والانتظار، قبل أن يمنحهم أخيرًا كأس العالم.

من 47 ثانية إلى 21 عامًا.. نهاية الحكاية

المفارقة التي تختصر رحلة ميسي مع الأرجنتين أن البداية كانت واحدة من أكثر البدايات قسوة، بينما جاءت النهاية في صورة مختلفة تمامًا. في ظهوره الأول، لم يحتج ميسي سوى 47 ثانية ليغادر الملعب مطرودًا أمام المجر، وبعد أكثر من 21 عامًا، عاد اللاعب نفسه إلى الملعب بقميص الأرجنتين للمرة الأخيرة، لكن هذه المرة بصفته القائد، والهداف التاريخي، وصاحب الرقم القياسي في المشاركات، وبطل العالم.

بين اللحظتين، تغيرت أجيال كاملة، وتبدل مدربون ولاعبون، وعاش المنتخب فترات من الانكسار والانتصار، بينما ظل ميسي في قلب الحكاية. خسر نهائيات، تحمل الانتقادات، فكر في الرحيل، ثم عاد وحقق كوبا أمريكا، والـ«فايناليسيما»، وكأس العالم، ثم عاد ليحصد كوبا أمريكا من جديد.

ولهذا، فإن إرث ميسي مع الأرجنتين لا يمكن اختزاله في 208 مباريات أو 126 هدفًا أو مجموعة من الألقاب. قصته الحقيقية تكمن في الرحلة نفسها؛ لاعب بدأ ببطاقة حمراء بعد 47 ثانية، وانتهى به الأمر واقفًا أمام جماهير بلاده كأسطورة اكتملت أركان حكايته.

من 47 ثانية إلى 21 عامًا.. لم يكتب ميسي الفصل الأخير مع الأرجنتين فحسب، بل ترك وراءه قصة ستبقى جزءًا من تاريخ المنتخب إلى الأبد.